07/30 17:05
في صلاه الفجر اتحدث بعد او قبل الصلاه ببعض الافكار مع من حولي ، وبعض المصلين ينقلون لي ما سمعوه او راوه ، وقبل ايام حدثني احدهم عن حادثه سمعها من اذاعه لندن من ان رجلاً كان محكومًا بالاعدام في المملكه العربية السعودية لقتله عمدًا شخصًا ، وقبيل تنفيذ حكم الإعدام ، والسياف جاهز والمحكوم امامه ، قام ولي القتيل واعلن انه قد عفا عن القاتل.
هذا حدث مهم ويذكرني بحديث من صحيح مسلم ، كنت ذكرته في مقاله سابقه ، من ان رجلاً جاء الي رسول الله ومعه شخص اخر يقوده بنسعه ، (اي بحبل من الجلد) ، فقال يا رسول الله : ان هذا قتل اخي ، فحقق الرسول صلي الله عليه وسلم ، فاعترف الرجل ، حيث كانا يرعيان ويختبطان الشجر ، فقال : انه سبني فاغضبني فضربته بالفاس علي قرنه فقتلته . فقال ولي المقتول : لو لم يعترف لاقمت عليه البينه ، فسال الرسول القاتل : هل عندك من مال تفتدي به نفسك ؟ قال : ليس عندي الا هذا ، واشار الي ثوبه ، فقال له الرسول : هل يدفع عنك قومك ؟ فقال : لا ، وقال : لانا اهون علي قومي من هذا ، واشار الي النسعه التي في عنقه ، فقال الرسول لولي القتيل : انت وشانك . فاخذه وانطلق فقال الرسول صلي الله عليه وسلم بعدما انطلق : ان قتله فهو مثله . فنقل الي ولي القتيل ما قال صلي الله عليه وسلم فعاد وقال : يا رسول الله ، انما اخذته بامرك ، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم : اما تريد ان يبوء باثمك واثم صاحبك ؟ فقال : بلي يا رسول الله ، وفك الحبل واطلقه .
وفي السودان ايام النميري ، والحكم بالشريعه الاسلاميه ، هاجم بعض الفلسطينيين فندقًا واخذوا رهائن ، وقتل بعض النزلاء البريطانيين . وعند المحاكمه جاء اولياء المقتولين ولما قال لهم القاضي : انتم الذين تملكون القصاص، قال البريطانيون : عفونا .
وقصه الممرضتين القاتلتين وكيف وجد من دفع عنهم الفديه حتي رضي ولي القتيله وعادتا الي بريطانيا قصه معروفه .
علينا الا نمر بهذه الاخبار التي نسمعها هنا وهناك من وقت لاخر من دون مبالاه او اهتمام . علينا ان نتذكر كيف ان الله جعل بيد اولياء القتيل حكم القصاص ، {ومن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يُسرفْ في القتل انه كان منصورًا}.. [الاسراء : 33]. ينبغي ان يُعلن هذا الذي حدث في السعوديه ، ويجب ان يتحدث به الناس .
ان الناس يظنون ان القصاص واجب ، ولا يعلمون انه حق لولي القتيل ، ولا يعلمون ان العفو افضل ، ينبغي ان نحسّن الي الناس ما حسّنه الله حيث يقول : {وجزاء سيئه سيئه مثلها فمن عفا واصلح فاجره علي الله}.. [الشوري : 40]، ويقول ايضًا: {وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}.. [النحل : 126]. ويقول الله تعالي: {ولا تستوي الحسنه ولا السيئه ادفع بالتي هي احسن * فاذا الذي بينك وبينه عداوه كانه ولي حميم * وما يُلَقّاها الا الذين صبروا وما يُلَقاها الا ذو حظٍ عظيم}.. [فصلت : 34 - 35].
صحيح ان العفو صعب علي النفوس ولكن النفوس من صنع المجتمع والثقافه ، حيث يقول الله تعالي: {ونفسٍ وما سواها * فالهمها فجورها وتقواها * قد افلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها}.. [الشمس : 7 - 10]، الا انه نحن الذين نزكي النفوس ونُدسّيها ، انها مثل الحقل ، يمكن ان نزرع فيها شوكًا او عنبًا ، فهي قابله لهذا وهذا . كذلك النفس ، ان الله سواها ملهمه الفجور والتقوي ، هذا خَلق الله ، ولكن تحويله الي احسن تقويم او الي اسفل سافلين من صنع البشر . علينا ان نتذكر هذا دائمًا ، ان المسؤوليه علينا نحن البشر الافراد في صنع المجتمع الذي يصنع افراده ، خرجنا جميعًا من بطون امهاتنا لا نعلم شيئًا ولكن المجتمع هو الذي علمنا اللغه ووضعنا في حاله عقليه معينه .
ان العلاقه بين الفرد والمجتمع شيء عجيب ، حيث يصنع المجتمع الافراد ، ولكن الافراد لهم قدره علي مواجهه المجتمع ايضًا مهما كان عددهم قليلاً . وتحول المجتمعات يكون علي ايدي هؤلاء القله ، ومن يتامل التاريخ يمكن ان يفهم هذا . فقله تستطيع نشر الخير والافضل والاحسان. ويخاطب الله هؤلاء القله الذين يحكمون بالعدل بين الناس وبالاحسان في التعامل: {ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكرّه اليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون * فضلاً من الله ونعمهً والله عليم حكيم}.. [الحجرات : 7 - 8].
ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم في حديث له : انه ينادي مناد يوم القيامه الا من كان اجره علي الله فليقم فلا يقوم الا من عفا واصلح. ومن شاء فليقرا: {وجزاء سيئه سيئه مثلها فمن عفا واصلح فاجره علي الله}. والانسان يمكن ان يُزَين له سوء عمله فيراه حسنًا ، ان المجتمع له قدره كبيره علي صنع الافراد وتوجيههم ، بحيث لا تكون للفرد قدره علي فهم الصواب . وقد كان التاريخ القديم هكذا ، حين كانت المجتمعات معزوله والتواصل غير ممكن . فالفراعنه ما كانوا يعرفون ماذا يحدث في الصين ، ولا الصينيون عرفوا ماذا كان الفراعنه يفعلون ، فكان ذلك زمن الانبياء الذي بشروا بالسلام والعدل والمستقبل فاعتبرهم جميع الاقوام مجانين ، حيث قال كل رسول: {ولا تجعلوا مع الله الهًا اخر اني لكم منه نذير مبين ، كذلك ما اتي الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر او مجنون * اتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتولّ عنهم فما انت بملوم * وذكّر فان الذكري تنفع المؤمنين}.. [الذاريات : 51-55].
وسبب انقطاع الانبياء ان العالم صار متواصلاً الان وصار الناس يتمكنون من معرفه الخطا والصواب ، والرشد والغي والنافع من الضار من عواقب التاريخ . والتاريخ والاحداث تاتي داعمهً بعضها بعضًا يحكمها قانون الله . فكما قال: {كذلك ما اتي الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر او مجنون}، قال : {كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزَّبَد فيذهب جُفاء * واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال}.. [الرعد : 17].
لماذا لا يعرض هذا العفو الذي قام به رجل عادي من سواد الناس ؟ ما الذي دعاه لهذا العفو ؟ ولماذا لا يسال الجمهور الذي حضر هذا المشهد عن ارائهم سواء كانت سلبًا ام ايجابًا حتي نعرف انفسنا اين نحن ؟ ولماذا لا نسال المجرم الذي كان تحت السيف وفوق النَّطع عن شعوره بعد هذه اللحظه ؟ ولماذا لا نسال اقاربه عن شعورهم ؟ ولماذا لا نسال اهل الاختصاص في العلم والمعرفه عن هذا الذي حدث ؟ انني انا ايضًا لم اكن انتبه لحديث الرسول : [ ان قتله فهو مثله ] ، لقد مررت عليه في اول قراءاتي من غير ان اتامله ، كانه حدث غير جدير بالوقوف ، وكانه شاذ !. وهذا ما قال عنه الله تعالي: {وكاي من ايهٍ في السماوات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون}.. [يوسف : 105]. لماذا لا يصير هذا الحديث موضع تامل وحوار ، لبحث القواعد الاساسيه التي بُني عليها ؟ وهذا الحدث الذي نشاهده الان ؟ ولماذا لا نتمكن ان نربط هذا بالوضع الاجتماعي العربي العام الذي لا يعفو فيه احد عن احد ؟ لا قدره لنا علي اثر مثل هذه الاحداث التي نراها شاذه وربما ضاره .